فخر الدين الرازي
204
تفسير الرازي
في فلان كذا أي عرفت وسم ذلك وسمته فيه . ثم قال : * ( وإنها لبسبيل مقيم ) * الضمير في قوله : * ( وإنها ) * عائد إلى مدينة قوم لوط ، وقد سبق ذكرها في قوله ؛ * ( وجاء أهل المدينة ) * وقوله : * ( لبسبيل مقيم ) * أي هذه القرى وما ظهر فيها من آثار قهر الله وغضبه لبسبيل مقيم ثابت لم يندرس ولم يخف ، والذين يمرون من الحجاز إلى الشام يشاهدونها . ثم قال : * ( إن في ذلك لآية للمؤمنين ) * أي كل من آمن بالله وصدق الأنبياء والرسل عرف أن ذلك إنما كان لأجل أن الله تعالى انتقم لأنبيائه من أولئك الجهال ، أما الذين لا يؤمنون بالله فإنهم يحملونه على حوادث العالم ووقائعه ، وعلى حصول القرانات الكوكبية والاتصالات الفلكية والله أعلم . * ( وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الاَْيْكَةِ لَظَالِمِينَ * فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ ) * اعلم أن هذه هي القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة . فأولها : قصة آدم وإبليس . وثانيها : قصة إبراهيم ولوط . وثالثها : هذه القصة ، وأصحاب الأيكة هم قوم شعيب عليه السلام ، كانوا أصحاب غياض فكذبوا شعيباً فأهلكهم الله تعالى بعذاب يوم الظلة ، وقد ذكر الله تعالى قصتهم في سورة الشعراء ، والأيكة الشجر الملتف . يقال : أيكة وأيك كشجرة وشجر . قال ابن عباس : الأيك هو شجر المقل ، وقال الكلبي : الأيكة الغيضة ، وقال الزجاج : هؤلاء أهل موضع كان ذا شجر . قال الواحدي : ومعنى إن واللام للتوكيد وإن ههنا هي المخففة من الثقيلة ، وقوله : * ( فانتقمنا منهم ) * قال المفسرون : اشتد الحر فيهم أياماً ، ثم اضطرم عليهم المكان ناراً فهلكوا عن آخرهم وقوله : * ( وإنهما ) * فيه قولان : القول الأول : المراد قرى قوم لوط عليه السلام والأيكة . والقول الثاني : الضمير للأيكة ومدين لأن شعيباً عليه السلام كان مبعوثاً إليهما فلما ذكر الأيكة دل بذكرها على مدين فجاء بضميرهما وقوله : * ( لبإمام مبين ) * أي بطريق واضح والإمام اسم ما يؤتم به . قال الفراء والزجاج : إنما جعل الطريق إماماً لأنه يؤم ويتبع . قال ابن قتيبة : لأن المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريده وقوله : * ( مبين ) * يحتمل أنه مبين في نفسه ويحتمل